ابن عربي
137
شجون المسجون وفنون المفتون
وقهر العوابد ، وهو قويّ النفس ، غزير العقل ، صحيح الدّين ، ثابت اليقين ، وأحببت أن تزيده لتفيده ، فتوجّه مدّة إليه ، ثمّ بعد ذلك حله عليه ، واحذر أن تدخل في هذا بهواك ، فإنّك لا تقدر على شيء من مناك ، بل ربّما أهلكت أخاك ، وإن كان صادقا في ذاته هلكت بنجاته ، فاحذر جيّدا أوّل الأعداد أن تريه ما فيه ، من أنّه يقدر أن يستحضر المعلوم نظرا بخاطره ، وسمعا بقلبه ، كما قد يغمض عينيه ، ويستحضر صورة والده ، أو صورتك مثلا ، وكما قد يستحضر في قلبه سماع لفظ قد قلته له ، ثم يؤمر بالذّكر باسم أنت تراه الأولى به في وقته ، وحاله كما ستعلم ، فإذا رأى أو سمع يحكي لك ، فإذا حكى عرفت توجّهه ، وأمددته من قبله « 1 » ، وحاققه « 2 » على الزّيادة فيما يروي ، فإنّها تفسد عليه . وللصّدق سرّ منكما ، لا بدّ إذا اجتمع ولّد العجب من ذلك ، إنّه متى صدقت نفسه ، وصحّ توجّهه إليك ، فصوّرت أنت إيّاك في صورة أو ملبوس ، ووقفت بفكرك فيه ، أو صوّرت نفسك شيئا كالفيل مثلا رآه ، فأخبرته بما رأى ، فإن كان ضعيفا استدرجته بالكلام ، كما تعمل في المندل ، تحدّثه بما يجب أن يرى ، ثمّ تتركه فيرى بغير حديث ، فإذا صحّ في الجماعة وتوجّهه إليك ، نحّه عنك ، وأمره أن يسلك الطريق بعينه مع الله عزّ وجلّ ، فقد عرفه بحاله . وأوصه أن يتحفّظ من الغفلة في أقواله وأفعاله ، فبذلك يبلغ [ 34 / ب ] نهاية آماله ، ومن الضروريّ له إذا وصل أن يمحو من نفسه موضعك الّذي حصل ، فإن لم يفعل ، فقد طرقت له بابا ، وصرت له بعد ذلك حجابا ، والسّلام . خاتمة : قد علمت أنّ للنّفس حالات لا تحصى ، وهيئات لا تستقصى ، فمنها ما يشبه حال أحد الحيوانات ، أو المعادن ، أو النّبات ، كالخنزير في الشّهوة ، والطّاوس في التّزيّن ، والثّعلب في الحيلة ، وغير ذلك . كذلك كالحشائش المرّة والحلوة ، والتّرياقيّة ، والأحجار ذوات الخاصيّة ، وكذلك لها حالة ملك ، وحالة شيطان ، ولها ما فوق ذلك كلّه ،
--> ( 1 ) في م : « قبيله » . ( 2 ) في م : « وحاققته » .